أبي حيان التوحيدي
128
المقابسات
قال أبو سليمان : ما أحسن هذا ! وطالما يسكت [ عن ] هذه المسألة فانقضت عن جوابها ؟ قالوا : ولولا هذه المشيئة المندفئة ، والغاية المستترة ، التي استأثر اللّه بها ، لكان لا يعرض هذا الخطأ مع صحة الحساب ودقة النظر ، وشدة الغوص وتوخى المطلوب ، وتبع غلبة الهوى والميل إلى المحكوم له ؛ وهذه البقية دائرة في أمور هذا الخلق ، فاضلهم وناقصهم ومتوسطهم ، وفي دقيقها وجليلها ، وصعبها وذلولها ؛ ومن كان له من نفسه باعث على التصفح والنظر والتخير والاعتبار ، وقف على ما أومأت إليه عن كثب ، وسلمه من غير منكر ولا صخب ثم قيل : ولحكمة جليلة ضرب اللّه دون هذه العلل بالأسداد ، وطوى حقائقه عن أكثر العباد ، وذلك أن للعالم بما سيكون ويحدث ويستقبل ، علم خلق للنفس ، واقع عند العقل ، فلا أحد إلا وهو يتمنى أن يعلم الغيب ويطلع عليه ، ويدرك ما سوف يكون في غد ، ويجد سبيلا اليه ، ولو دل السبيل إلى هذا الفن لرأيت الناس يهرعون اليه ، ولا يؤثرون سبيلا آخر عليه ، لحلاوة هذا العلم عند الروح ، ولصوقه بالنفس ، وغرام كل أحد به ، وفتنة كل إنسان فيه ؛ فبنعمة من اللّه لم يفتح هذا الباب ، ولا انكشف من دونه الغطاء ، حتى يرتعى كل أحد روضه ، ويلزم حده ، ويرغب فيما هو أجدى عليه وأنفع له ، أما عاجلا فقد علمت أن علم ما يكون أحب إلى جميع الناس من كل فقه وكلام وأدب وهندسة وشعر وحساب وطب ، لأن هذه رتبة إلهية ، وهي الفاصلة الكبرى . فطوى اللّه عن الخلق حقائق الغيب ، ونشر لهم نبذا منه ، وشيئا يسيرا يتعللون به ، ليكون هذا العلم محروصا عليه كسائر العلوم ، ولا يكون مانعا عن غيره . قال : ولولا هذه البقية التي فضحت الكاملين ، وأعجزت القادرين ، لكان